languageFrançais

سحر بالطيب.. مسيرة بين جراحة القلب والفنّ التشكيلي

في عالمٍ يزداد فيه الفصل بين التخصصات الحادّة، تقف سحر بالطيب كاستثناء لافت، حيث لا تبدو الحدود بين الطب والفن قائمة كما هو متعارف عليه، بل تتداخل لتشكّل تجربة إنسانية واحدة، قوامها الإصغاء العميق للحياة في أقصى لحظاتها هشاشة وتعقيدًا.

فهي جرّاحة قلب وشرايين من جهة، وفنانة تشكيلية من جهة أخرى، لكن الأهم أنها تنظر إلى هذين المسارين باعتبارهما تعبيرين عن جوهر واحد، فهم الإنسان وإعادة ترميمه، جسدًا وشعورًا.

الإنسان في أضعف حالاته

في غرفة العمليات، حيث تتحدد المصائر في دقائق، تمارس سحر بالطيب أعلى درجات الدقة الطبية، متعاملةً مع القلب بوصفه مركز الحياة المادية. 

غير أن هذه المواجهة اليومية مع الهشاشة الإنسانية لم تبقَ محصورة في بعدها العلمي، بل امتدت لتفتح لديها سؤالًا أعمق حول الألم، والنجاة، وما يبقى من الإنسان بعد التجربة.
ومن هذا السؤال تحديدًا، يولد المسار الآخر في حياتها  وهو الفن.

وقالت سحر بالطيب في حديثها مع موزاييك، 'لم أفصل يومًا بين الطب والفن في حياتي. كنت دائمًا أرى أن داخلي طبيبة وفنانة في آنٍ واحد، وأن كلا المجالين يُكمل أحدهما الآخر ولا يتناقض معه'.

وأضافت في حديثها عن تجربتها داخل المجال الطبي' جراحة القلب علّمتني معنى الدقة القصوى، وعلّمتني أيضًا هشاشة الحياة. فكل لحظة داخل غرفة العمليات تُذكّرني بأننا نتعامل مع الإنسان في أضعف حالاته، وهذا يترك أثرًا عميقًا في الداخل.”

المشاعر أوسع من الكلمات

أما عن علاقتها بالفن، فأكدت أن الإبداع بالنسبة لها ليس ترفًا ولا نشاطًا جانبيًا، بل ضرورة داخلية 'الرسم بالنسبة لي ليس هواية أو نشاطًا إضافيًا، بل هو مساحة ضرورية أعبّر فيها عمّا لا تستطيع اللغة قوله. أحيانًا تكون المشاعر أوسع من الكلمات، فيصبح اللون والخط هما اللغة البديلة.'

وأوضحت كذلك دور الموسيقى في حياتها بوصفها امتدادًا لهذه اللغة الداخلية.' الموسيقى، وخاصة عزف البيانو، تمثل بالنسبة لي شكلًا من أشكال التوازن النفسي. هي وسيلة للإنصات إلى الذات وإعادة ترتيب الإيقاع الداخلي بعد ضغط العمل اليومي.'

وفي حديثها عن أثر الفن في محيطها الإنساني، قالت سحر بالطيب، 'اكتشفت من خلال تجربتي مع عائلتي وبعض الشباب من حولي أن الفن قادر على فتح مساحات من التعبير لا تتيحها الكلمات. أحيانًا يكون الرسم وسيلة لفهم الذات قبل أن يكون وسيلة للتعبير عنها'.

وترى بالطيب أن هذا التقاطع بين الطب والفن ليس ازدواجًا في الهوية، بل وحدة في الرؤية، إذ تقول 'أنا لا أعيش حياتين منفصلتين، بل مسارًا واحدًا تتقاطع فيه الدقة العلمية مع الحس الإنساني. فالطب بالنسبة لي فعل إنقاذ، والفن فعل فهم وترميم داخلي'


معرض “It’s Probably Me…”

ومن هذا المسار المزدوج وُلد معرضها الشخصي “It’s Probably Me…”، الممتد من 16 إلى 24 ماي 2026 بمكتبة الكتاب-ميتيال فيل، والذي لا يُقدَّم كمعرض تشكيلي تقليدي، بل كرحلة داخلية في مناطق الذاكرة والهشاشة والتحوّل. أعماله تنقل بين صور نساء في حالة ترميم، وكائنات متخيلة، وعوالم داخلية تتأرجح بين الواقع والحلم، حيث يصبح كل عمل سؤالًا مفتوحًا أكثر منه إجابة نهائية.

واختتمت سحر بالطيب رؤيتها لهذا المشروع بالقول 'هذا المعرض ليس محاولة لتقديم أجوبة، بل لفتح مساحات من التأمل. العنوان نفسه ‘It’s Probably Me…’ هو احتمال مفتوح، لأننا في النهاية لسنا صورة واحدة ثابتة، بل مجموعة احتمالات لما نشعر به ونعيشه.'

بهذا المعنى، لا تبدو تجربة سحر بالطيب مجرد مسار مهني مزدوج، بل رؤية متكاملة للإنسان بوصفه كائنًا يُنقَذ ويُفهم في آن، بين مشرط يعيد نبض القلب، وفرشاة تحاول الإصغاء لما لا يُقال.

صلاح الدين كريمي